كل يوم هو في شأن 2
كل يومٍ هو في شأن 2
الشيخ محمد صالح المنجد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره . ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
الحمد لله المحمود بكل لسان ، المعبود في كل زمان ، الذي لا يخلو من علمه مكان . تنزّه عن الصاحبة والولد وعن الشريك والندّ والشبيه . نفِذَ حكمه في جميع العباد ، وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم . وهو سبحانه وتعالى يُطعِم ولا يُطعَم . وهو القاهر فوق عباده . يعلم ما في البر والبحر . يتوفاكم بالليل والنهار . يرسل عليكم حَفَظَة . ينجّيكم من ظلمات البر والبحر . والله تعالى قد أحاط بكل شيءٍ علماً ، لا يلهيه شيءٌ عن شيء ، ولا يشغله شأنٌ عن شأن ، ولا تختلف عليه اللغات ، ولا تشتبه عليه الأصوات . تأتي إليه الوفود المختلفة والجموع المتباينة فيقفون على صعيد عرفة ينادونه جميعاً ويدعونه ويسألونه ويرجونه . ألسنتهم متباينة ، وحاجاتهم متفاوتة ، وأصواتهم مختلفة ، فيسمع دعاءهم ويعرف ندائهم ويميّز أصواتهم ، ويقضي حاجاتهم . يا عبادي لو أن أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي.
أفعال الله عز وجل وغاياتها ونهاياتها وحكمتها من المسائل الإلهية العظيمة . وإذا تعلّم العبد أفعال الله ومعانيها انكشف له من الربوبية والإلهيّة ما يحبّبه في ربه فلا يرجو سواه ، ولا يخاف إلا هو ، ولا يتوكّل إلا عليه ، ولا يوقن إلا بوعده ، ولا يدعو إلا إيّاه . فهو الإله الحق . أفعاله عز وجل أولاً خيرٌ كلها . والخير كله في يديك ، والشر ليس إليك . أفعاله عز وجل صادرةٌ عن حكمته ومشيئته ، منزهةٌ عن العبث {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}(الدخان:38-39) . {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}(صّ:27) ، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ}(المؤمنون:115) . حرّم ما حرّم سبحانه لحكمٍ عظيمة {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً}(الاسراء:32) ، {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً}(النساء:22) . {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}(البقرة: من الآية185) ، {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}(النساء: من الآية27) . وهو سبحانه وتعالى لا يفعل شيئاً بلا مصلحةٍ وحكمة ، بل أفعاله عز وجل تدور مع الحكمة والمصلحة والإحسان والرحمة والعدل .
وثالثاً أفعاله قائمةٌ على العدل والرحمة {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}(فصلت: من الآية46) ، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} . إنّ الله كتب قبل أن يخلق الخلق : إن رحمتي سبقت غضبي ، أفعاله حكمةٌ ومصلحةٌ ورحمةٌ وعدل . {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}(لأعراف: من الآية156) . فيقول بعض الناس : فلماذا خلق الله المجانين وقدّر الأمراض على الأطفال ؟ ولماذا يوجد في العالم أصحاب عاهات ؟ فنقول : كل ذلك لحكمٍ يعلمها سبحانه ، نعلم منها ما نعلم ويخفى علينا ما يخفى . فلمّا خلق الله في العالم مجانين ، ومن الرحمة أحياناً أن يكون ذلك فاقد العقل وإلا لطغى وبغى ، فيمتحنه يوم القيامة وربما ذلك يكون فوزاً له . وأيضاً فإن العقلاء إذا رأوا المجنون عرفوا نعمة الله عليهم بالعقل ، فهو يذكّر الأغنياء بالفقير ، ويذكر الأصحّاء بالمريض ، ويذكر السالمين بأصحاب العاهات ، ويذكر العقلاء بالمجانين . فكأنه يقول لهم وقد خلق المرض والعاهة والجنون : انظروا في عبادي فاشكروا نعمتي عليكم . انظروا واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم . وأحياناً يكون للشيء الذي ظاهره الألم فوائد ومنافع عظيمة . قال ابن القيم رحمه الله : تأمّل حكمة الله تعالى في كثرة بكاء الأطفال ، وما لهم فيه من المنفعة ، فإن الأطباء شهدوا منفعة ذلك وحكمته . وحتى هذا الدمع الذي يسيل تقوى به أدمغتهم وتصحّ ، ويوسع مجاري النفس بالبكاء ، ويفتح العروق ، ويصلبها ، ويقوي الأعصاب . وهكذا يكثر البكاء من الرضيع . وأيضاً اعتبارٌ واتعاظ ، وتفكرٌ في دار الآخرة ، وقد يرجع بعض الناس عن غيٍّ من رؤية طفلٍ يبكي .
وأفعاله تعالى رابعاً لا يُسأل عنها ، بل هم يُسألون عن أفعالهم . وخامساً متعلقةٌ بمشيئته {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ}(البقرة: من الآية105) ، {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ}(آل عمران: من الآية26) ، {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ}(البقرة: من الآية212) ، {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}(البقرة: من الآية213) ، {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ}(البقرة: من الآية247) ، {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}(آل عمران: من الآية129) ، {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ}(آل عمران: من الآية13) ، {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ}(التوبة: من الآية15) ، {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ}(يوسف: من الآية56) ، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}(القصص: من الآية68) ، {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}(الشورى: من الآية49) . فسبحانه لا رادّ لحكمه ، وسبحانه لا معقّب لقضائه ، وسبحانه يفعل ما يشاء ومشيئته نافذة .
وأفعاله عز وجل سادساً لا تماثل أفعال المخلوقين {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}(الشورى: من الآية11) . هل يستطيع الواحد منّا أن يحاسب ألف عاملٍ أو مائةً أو عشراً في دقيقةٍ واحدة ؟ أو ساعةٍ واحدة ؟ أو لحظةٍ واحدة ؟ لكن الله سبحانه وتعالى يقدر على أن يحاسب خلقه كلهم في لحظةٍ واحدة {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}(لقمان: من الآية28) ، {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(البقرة: من الآية202) .
وسابعاً : يجب علينا أن نرضى بأفعال الله مهما كانت ، لا نعترض ولا يجوز لنا أن نرى ، ولا يجوز لنا أن نرى فيها شيئاً من الخلل والعبث . بل نرضى بها ونسلم . أمرض ، أفقر ، قبض ، وهكذا أضلّ وأزاغ وأهلك . أعطى ، وسَّع . نحن نرضى بأفعاله . لكن المفعولات ، المخلوقات ، لأن الله خلقكم وما تعملون . وكل ما يقع في العالم من مفعولات ناتجة عن أفعاله . فالمطر ناتجٌ عن فعله ، ينزّل الغيث وينزل عذاباً ، يقضي بالمرض ويقضي بالموت ، يقدّر الطاعة ويقدر المعصية . فحتى هذه المعاصي التي تقع في العالم لا تقع إلا بعلمه وقضائه . فنحن نرضى بفعله تعالى وأما المفعولات وما نشأ عن أفعاله تعالى فننظر فيها . فإن كانت طيبةً وافقت الشرع ، وافقت ما يحبه فنحن نحبها كهداية المهتدي والمطر الذي ينزل من السماء والرحمة التي ينشرها وهكذا . وأما المفعولات التي يُبغِضُها تعالى ، ولكن قدرها لحكمة فإن كان لا يحبها كالضلال الذي حصل والزيغ الذي صار والمرض الذي وقع والفقر الذي أصاب ، فنحن لا نحب المرض والفقر والفاحشة والمعصية التي وقعت . ومن عرف هذا تبيّن له الأمر وانكشفت عنه الشبهة وزالت عنه الغُمّة ، فهو لا يعترض على فعله تعالى ، بل يرضى بجميع أفعاله ، لكن المفعولات منها ما يرضاها المؤمن ومنها ما يكرهه .
ثامناً : أفعاله تعالى مبنيةٌ على قدره ، فلا يقع في هذا الكون حادثٌُ صغيرٌ ولا كبير مما يفرح له الناس أو يحزنون ، أو يجتمعون أو يتفرقون إلا وقد قدّره تعالى سابقاً وكتبه بقدرٍ سابقٍ سطّره في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة مطابقاً لعلمه السابق الذي هو صفةٌ من صفاته . والله تعالى هو الأوّل ليس قبله شيء . وكان تعالى عليماً . كان الله ولم يكن شيءٌ قبله . وكان الله ولم يكن شيءٌ معه . وكان عزّ وجل عليماً حكيماً . ثم خلق اللوح والقلم وأمر القلم بأن يكتب في اللوح ما هو كائنٌ . وهذه الكتابة قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة . فكل ما يقع الآن في العالم ، وكل يوم هو في شأن عز وجل يفعل ما يشاء ، هذه الأشياء مكتوبة عنده مطابقةً لعلمه الأزلي . {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}(القمر:49) . ومن أركان الإيمان أن تؤمن بالقدر خيره وشره {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}(الحديد: من الآية22) . من قبل أن نخلقها ، من قبل أن نوجدها ، هي مكتوبة عنده سبحانه . وإذا آمن المؤمن بهذا سهل عليه الرضا بالقضا ، فلو مات له ولد ، لو فاتته صفقة ، لو خسر مالاً يقول : مكتوب ، مكتوب منذ زمنٍ قديم . مكتوبٌ قبل أن أُخلق وتخلق السماوات والأرض . فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط . وهذه الأشياء التي تقع للمؤمن خيرٌ دائماً . فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له . رواه مسلم . العمر قليل ، والدنيا فانية . ويجب على المسلم أن يسعى في مرضاة الرب .
عباد الله!
وأفعاله كذلك تعالى متصفة بالحسن . فهو عز وجل يفعل ما يشاء لحكمٍ يريدها سبحانه . وهو القائم على كل نفسٍ بما كسبت ، ولا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا هو . لا تأخذه سنةٌ ولا نوم . {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}(البقرة: من الآية255) . وهو الحيّ القيوم . قائم يحفظ كل شيء ، ولو قام إنسانٌ بقارورتين وزجاجتين على رجليه بلا نوم لربّما أصابه نعاسٌ فاصطفقت اليدان وانكسرت القارورتان في لحظة . ولكن ربنا تعالى يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه . فلولا رحمته وقدرته لسقطت السماء على الأرض فأبيد من عليها . {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}(فاطر:41) . ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ، فمنذ خلقهما لم تسقط السماء والأرض . ولا غارت الأرض فذهبت . {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}(غافر: من الآية57) ، {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(يوسف: من الآية64) . وهو سبحانه يفعل في أعدائه ما يفعل . يمكر بهم ويستدرجهم ، والله يستهزئ بالمنافقين . {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}(الصف: من الآية5) ، {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ}(الأنعام: من الآية42) ، {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً}(آل عمران: من الآية178) ، {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}(الأنعام: من الآية44) ، فهو تعالى يملي ، يمهل . وهو عز وجل يأخذ ويبطش . وهو سبحانه وتعالى يعطيهم زينةً في الحياة الدنيا فتنةً لهم ، وبعد ذلك إذا ظنوا أنهم قادرون عليها أتاهم {أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}(يونس: من الآية24) ، {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}(القصص:82) . وهو سبحانه أضحك وأبكى ، وأمات وأحيى ، وأسعد وأشقى ، وأوجد وأبلى ، ورفع وخفض ، وأعز وأذلّ ، وأعطى ومنع ، ورفع ووضع .
اللهم إنا نسألك أن ترحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين ، وأن تتوب علينا يا توّاب يا كريم . اللهم هيّئ لنا من أمرنا رشدا . اللهم انشر رحمتك علينا . اللهم إنا نسألك أن تكتبنا في عتقائك من النار ، وأن تدخلنا الجنة مع الأبرار . يا غفار .أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية:
الحمد لله معزّ من أطاعه ومذل من عصاه . أشهد ألا إله إلا هو وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ومصطفاه ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعه ووالاه . اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وذريته وأزواجه وخلفائه . اللهم ارض عنهم يا رب العالمين .
عباد الله !
لله في أفعاله عجائب . من تأملها زاد إيماناً ، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء ، ويعطي عطاءً يُدهِش ويمنع ويُمسِك عن أناس فلا يجدون شيئاً . عطاؤه لحكمة ومنعه لحكمة . يقبض ويبسط . يهدي من يشاء ويضل من يشاء . أرغم أنوف الطغاة وخفض رؤوس الظلمة ومزّق شمل الجبابرة ودمر سد مأرب وأهلك النمرود ببعوضة وهزم أبرهة بطيرٍ أبابيل وعذب امرأةً في هرة وغفر لبغيٍ سقت كلباً . انظر بعين الاختيار إلى آدم حظي بسجود ملائكته وإلى ابنه ماذا فعل من الجريمة وكُتب عليه من آثام الخلق الذين يقتلون إلى يوم الدين . وانظر إلى نوح ، نجاه من الغرق بسفينته . وإلى إبراهيم ، فكساه حلة خلته . وإلى إسماعيل أعان الخليل في بناء كعبته ، وافتداه بذبحٍ عظيمٍ من ضجعته . وإلى لوط نجاه وأهله من عشيرته . وإلى شعيب أعطاه الفصاحة في خطبته . وإلى يوسف أراه البرهان في همّته . وإلى موسى كلمه . وإلى داود ألان له الحديد على حدته . وإلى سليمان سخر له الريح ينتقل بها في مملكته. وإلى أيوب فيا طوبى بركضته {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}(صّ:42) . وإلى يونس فسمع نداءه في ظلمته ، وإلى زكريا فقرن سؤاله ببشارته ، بشره بيحيى . وإلى عيسى فكم أقام من ميتٍ من حفرته . وإلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم فخصّه ليلة المعراج بالقرب من حضرته والوصول إلى سدرته . وأعرض عن إبليس فأخزاه ببعده ولعنته . وعن قابيل فقلب قلبه إلى معصيته . وعن فرعون الذي ادعى الربوبيّة على جرأته . وعن قارون فخرج على قومه في زينته . وعن أبي جاهل فشقي مع سعادة ابنه ، عكرمة ، وابنته . وهكذا جرى تقديره سبحانه فلا اعتراض على قسمته ، ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته .
الله عز وجل من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً ، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً ، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة . الباب مفتوح ولكن من يلج ؟ والمجال مفتوح ولكن من الذي يعمل ؟ والحبل ممدود ولكن من الذي يستمسك به ؟ والخير مبذول ولكن من الذي يتعرض له ؟ فأين الباحثون عن الأرباح . من أقبل إليه تلقاه من بعيد ، ومن أعرض عنه ناداه من قريب . ومن ترك شيئاً من أجله أعطاه فوق المزيد ، ومن أراد رضاه أعطاه ما يريد ، ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد . أهل ذكره هم أهل مجالسته ، وأهل شكره هم أهل زيادته ، وأهل طاعته هم أهل كرامته ، وأهل معصيته لا يقنّطهم من رحمته . إن تابوا إليه فهو حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فهو رحيمٌ بهم ، يبتليهم بالمصايب ليطهّرهم من المعايب . فالحسنة عنده بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة . والسيئة عنده بواحدة فإن ندم العبد عليها واستغفر غفرها له . فسبحانه من خالقٍ عظيم ، جوادٍ كريمٍ . الكرم من صفاته والجود من سماته ، والعطاء من أجل هباته . فمن أعظم منه جودا ؟ الخلائق له عاصون وهو لهم مراقب ، يكلؤهم في مضاجعهم ويحفظهم بالليل والنهار كأنهم لم يعصوه ، ويتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا . يجود بالفضل على العاصي ويتفضّل على المسيء . كم في الأرض من كافرٍ ومذنبٍ ، والله يعطيهم . من الذي سأله فلم يعطه ؟ من الذي أناخ ببابه فطرده ؟ من الذي دعاه فلم يجبه ؟ وهو الجواد والكريم وصاحب الفضل سبحانه ، إنه كان حليماً غفورا . وهكذا يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .
فالق الحب والنوى يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء . تأمل كيف قرب نوحاً وأبعد ابنه ، وهدى إبراهيم وأضل أباه ، واجتبى محمداً صلى الله عليه وسلم وقلى عمّه ، وحفظ نوحاً ولوطاً وأضلّ زوجتيهما . ذلكم الله ربكم يهدي من يشاء ويضل من يشاء . لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار . خلق السماوات بغير عمدٍ ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}(لقمان: من الآية10) ، {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}(لقمان: من الآية11) ، {بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}(لقمان: من الآية11) . يحيي الأرض بعد موتها ، يصرّف الرياح ، ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ، ينشر رحمته ، ينزل إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر وينادي . يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا .
وهكذا فإنه سبحانه وتعالى ينصر من يشاء ويبتلي من يشاء ، وكل هذا لحكمة . وقد ينهزم المسلمون فيكون ذلك دواءً للعجب الذي أصابهم {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}(التوبة: من الآية25) . ثم ينزل نصره بعد ذلك وقد رجعوا إليه وتابوا وأنابوا واستحقوا النصر . فسبحانه يداوي خلقه ، يداوي خلقه بالابتلاء . فهذا طغى فيفقره فيرجع . وهذا بغى فيُمرِضُه فيؤوب . يداوي عباده بأقداره وأفعاله . له الحكمة ومن تأمل هذا الباب يا عباد الله وجد شيئاً لا يوصف . ومن غاص في هذا البحر لقي من الدرر العجب . ونحن مطالَبون أن نتفكر في عظمته وفي أفعاله سبحانه وتعالى . وأن ننظر فيما يفعل المليك عز وجل لنزداد إيماناً . وهذا من أبواب التوحيد العظيمة ، أن نوحّده عز وجل في أسمائه وصفاته وأفعاله . أفعال الله . إنه الباب العظيم الذي من درسه وتعلّمه ثبت على الدين ووجد ما يزيد الإيمان ويثبّته على الصراط المستقيم .
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين . اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة . نسألك الإخلاص في الغضب والرضا وكلمة الحق . اللهم إنا نسألك أن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك . حبّب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين . أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين . ارزقنا شكر نعمتك ، نعوذ بك من تحوّلها ومن زوال عافيتك يا أكرم الأكرمين . أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا وانصرنا ولا تنصر علينا . اللهم انصر المجاهدين في سبيلك يا رب العالمين . واقمع من أراد الفساد في الأرض يا رب السماوات والأرضين . اللهم من أراد أن يعبث بأمن بلدنا وبلاد المسلمين فامكر به ، وردّه خاسئاً وهو حسير . اللهم إنا نسألك أن تنشر رحمتك علينا . اللهم إنا نسألك بحولك وقوتك أن تهزم الكفرة المشركين ، واليهود والصليبيين وأعداء الدين وأن تكف بأسهم عن المسلمين . اللهم ردّهم صاغرين . اللهم اجعلهم وأموالهم غنيمةً للمسلمين . اللهم إنا نسألك أن تصلح نياتنا وذرياتنا وأن تجعلنا للمتقين إماماً . اللهم هب لنا من رحمتك وهيئ لنا رشدا ، إنك أنت السميع العليم . سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلامٌ على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين . وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله .